شافعي المذهب.
– تعريف بالمقام ونشأته:
يقع ضريحه بقبة الإمام الشافعي، بترب البساتين، القاهرة.
– السيرة الذاتية:
– الاسم: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري الشافعي، أبو يحيى: شيخ الإسلام.
– تاريخ الميلاد: ولد في سنيكة، شرقية مصر سنة ٨٢٣ هـ.
– تاريخ الوفاة: توفي بالقاهرة سنة ٩٢٦ هـ.
– الدراسة وأماكن طلب العلم:مصر.
– شيوخه: كثير منهم:
– التلاميذ: كثير منهم:
– مؤلفاته وكتبه المصنفة: له تصانيف كثيرة منها :
– بعض ما جاء عنه في التراجم والسير:
هو الشيخ زكريا الأنصاري الخزرجي جاء الى القاهرة في عهد السلطان قايتباي والتحق بالأزهر الشريف، وكان شابا في الثامنة عشرة من عمره، ويحدثنا تلميذه الشعراني عن قصة حياة شيخه منذ جاء الى مصر فيقول: حكى لي الشيخ زكريا مرة أمره منذ مجيئه الى مصر حتى وقتنا هذا (أي القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي) قال: أحكي لك أمري من ابتدائه حتى انتهائه حتى تحيط به علما كأنك عاشرتني من أول عمري، فقلت له نعم، فقال: جئت من البلاد وأنا شاب فلم أعكف على أحد من الخلق ولم أعلق قلبي به وكنت أجوع في الجامع (الأزهر) كثيرا فأخرج بالليل الى قشر البطيخ الذي كان بجانب الميضأه وغيرها فأغسله وآكله الي أن قيد الله لي شخصا كان يشتغل في الطواحين فصار يتفقدني ويشتري لي ما أحتاج إليه من الكتب والكسوة ويقول يا زكريا لا تسأل أحدا في شيء فمهما تطلب جئتك به، فلم يزل كذلك سنين عديدة، ويستمر الشيخ زكريا في سرد قصة حياته مع ذلك الرجل المحسن لتلميذه الشيخ الشعراني حتى يأتي الى نهايتها فيقول: (وفي ليلة من الليالي والناس نيام جاءني وقال لي قم فقمت معه فوقف لي على سلم الوقاد الطويل وقال لي أصعد هذا فصعدت فقال لي أصعد الى آخره فقال لي تعيش معي حتى يموت جميع أقرانك وترتفع على كل من في مصر من العلماء وتصير طلبتك شيوخ الإسلام في حياتك حتى يكف بصرك فقلت ولابد لي من العمى قال ولابد لك ثم انقطع عني فلم أره من ذلك الوقت).
واستمر الشيخ زكريا ملازما للأزهر الشريف والاستماع على كبار علمائه وفقهائه والمتصوفين منهم خاصة حتى أصبح أحد أركان الطريقين الفقه والتصوف، وكان رحمة الله عليه دائبا فيما ينفعه وينفع والناس كما كان للوقت عنده حساب كبير وفي ذلك يقول الشعراني: (قد خدمته عشرين عاما فما رأيته قط في غفلة ولا اشتغال بما لا يعني ليلا ولا نهارا، وكان مع كبر سنه يصلي سنن الفرائض تماما ويقول لا أعود نفسي الكسل وكان إذا جاءه شخص وطول في الكلام يقول بالعجل ضيعت علينا الزمن).
وقد التحق فترة غير قصيرة بخانقاه سعيد السعداء فقد كان كما قال عن نفسه (من صغري وأنا أحب طريق القوم (أي التصوف) وكان أكثر اشتغالي بمطالعة كتبهم والنظر في أحوالهم فأجتمع بشيوخ المتصوفين وقد تسنى له أثناء إقامته بخانقاه سعيد السعداء أن يجتمع بشيوخ المتصوفين فانتفع بعلمهم في الطريق كما انتفعوا بعلمه في الفقه وعلومه الشريعة، وقد ظهر أثر الخانقاه واضحا في بعض مؤلفاته مثل شرحه على رسالة القشيري في علم التصوف وكتابه المسمى بقواعد الصوفية وحاشيته لتفسير البيضاوي.
والخانقاه كلمة فارسية تعني المكان الذي ينقطع فيه المتصوف للعبادة، ويفصل المقريزي معنى خانقاه فيقول: الخوانك جمع خانكاه وهي كلمة فارسية معناها بيت الأكل وقيل أصلها خونقاه أي الموضع الذي يأكل فيه الملك. ويتكلم عن نشأة العمائر الدينية التي عرفت بالخوانق في الإسلام فيقول: والخوانك نشأت في الإسلام في حدود القرن الرابع للهجرة وجعلت لتخلي الصوفية فيها لعبادة الله تعالى، أما في مصر فلم تظهر الخوانق إلا في القرن السادس الهجري وفي عصر صلاح الدين الأيوبي، أما من حيث التخطيط المعماري لهذه المنشآت الدينية فقد اقتضت وظيفتها أن يكون لها تخطيط خاص فهي بذلك تجمع بين تخطيط المسجد والمدرسة ويضاف الى هذين التخطيطين الغرف التي يختلي أو ينقطع بها المتصوف للعبادة والتي عرفت في العمارة الإسلامية باسم الخلاوي وقد يكون من المفيد أن نعرف شيئا عن تاريخ خانقاه سعيد السعداء أول خانقاه أنشئت فى مصر وهى التى انقطع فيها شيخنا زكريا للعبادة فترة غير قصيرة والتي جاء في ترجمة حياته أنه كان لا يأكل إلا من خير خانقاه سعيد السعداء ويقول: (وقفها كان من الملوك الصالحين، ووقف وقفها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم) تقع هذه الخانقاه بخط رحبة باب العبد من القاهرة كما يقول المقريزي (حي الجمالية الان) وكانت أول دار تعرف في عصر الدولة الفاطمية بدار سعيد السعداء، وهو كما يقول ابن ميسر (بيان) ولقبه سعيد السعداء أحد الأستاذين المحنكين خدام قصر الخليفة المستنصر بالله الفاطمي.
وكانت هذه الدار مقابلة دار الوزارة فلما تولى الصالح طلائع الوزارة سكنها وفتح من دار الوزارة إليها سرداب تحت الأرض ليمر فيها، فلما استولى صلاح الدين على مصر وقف هذه الدار على الفقراء الصوفية الوافدين من البلاد النائية وذلك في سنه 569 هـ وولى عليها شيخا ووقف عليهم كثيرا من الأوقاف عقارية بالقاهرة وزراعية بالبهنسا (بالمنيا الان) وقد جاء في شرط الوقفية أن من مات من الصوفية وترك عشرين دينارا فما دونها كانت للفقراء ولا يتعرض لها الديوان السلطاني، ومن أراد منهم السفر يعطى تسفيرة ورتب للصوفية في كل يوم طعاما ولحما وخبزا وبنى لهم حماما بجوارهم، وهنا يقول المقريزي (فكانت أول خانقاه عملت بديار مصر وعرفت باسم (دويرة) الصوفية ونعت شيخها بشيخ الشيوخ).
وقد تهيأت للشيخ زكريا أن يضع في خانقاه سعيد السعداء الكثير من مؤلفاته العظيمة نذكر منها شرح البخاري المعروف باسم فتح الباري للحافظ ابن حجر و شرح البخاري للكرماني وشرحه للعيني الحنفي وشرحه لشهاب الدين العسقلاني، وكان يقوم بالكتابة له في معظم الأحيان تلميذه الشيخ الشعراني فهو يقول: (وكان خطي متميزا فيه وأظنه يقارب النصف، ويضيف فيقول وكنت إذا جلست معه كأني جالست ملوك الأرض الصالحين العارفين، وكان أكبر المفتين بمصر يصير بين يديه كالطفل وكذلك الأمراء والأكابر.
وقد جاء في ترجمته أن بوادر الكشف بدأت تظهر عليه بعد تأليفه لكتابه شرح (البهجة) الذي استبعد جماعة من أقرانه أن يكون هو مؤلفه فكتبوا على نسخة منه كتاب الأعمى والبصير تنكيتا عليه كما يقول لكون رفيقي في الاشتغال كان ضريرا وكان تأليفي له في يومي الأثنين والخميس فقط فوق سطح الجامع الأزهر، وهنا يصرح الشيخ زكريا بظهور الكشف عليه فيقول: وكان وقتي رائقا وظاهري بحمد الله محفوظا وكنت مجاب الدعوة لا أدعو على أحد إلا ويستجاب الدعاء فأشار عليّ بعض الأولياء بالتستر بالفقه وقال استر الطريق فليس هذا زمانه فلم أكد أتظاهر بشيء من أحوال القوم الى وقتي هذا.
ويستطرد الشيخ زكريا في الحديث عن كشفه فيقص علينا القصة التالية: (كنت معتكفا مرة في العشر الأخير من شهر رمضان فوق سطح الجامع الأزهر فجاءني رجل تاجر من الشام وقال لي إن بصري قد كف ودلني الناس عليك تدعو الله أن يرد عليّ بصرى وكان لي علاوة في إجابة دعائي فسألت الله أن يرد عليه بصره، فأجابني ولكن بعد عشرة أيام فقلت له الحاجة قضيت على شرط أن تسافر من هذا البلد إن أردت أن يرد الله عليك بصرك، وذلك خوفا أن يرد عليه بصره في مصر فيهتكني بين الناس فسافر فرد عليه بصره في غزة وأرسل لي كتابا بخطه، فأرسلت أقول له متى رجعت الى مصر كف بصرك فلم يزل بالقدس الى أن مات بصيرا).
وقد بدأت تظهر تنبؤات الرجل المحسن الذي تولى أمر الشيخ زكريا عندما جاء الى القاهرة معدما لا يجد قوت يومه عندما عرض عليه وظيفة قاضي القضاة وأخذ يرفضه المره تلو المرة ولم يقبلها حتى ألح عليه السلطان في الرجاء وهنا يقول: (تزايد عليّ الحال الى أن عزم علي السلطان بالقضاء فأبيت، فقال إن أردت نزلت ماشيا بين يديك أقود بغلتك الى أن أوصلك الى بيتك، فتوليت وأعانني الله على القيام به) ويصف لنا حاله بعد تولي وظيفة القضاء وأحاسيسه النفسية فيقول: ولكن أحسست من نفسي أني تأخرت عن مقام الرجال (أي المتصوفين) فشكوت الى بعض الرجال فقال: (إن ما تشعر وتحس به إنما هو تقديم إن شاء الله تعالى فإن العبد إذا رأى نفسه متقدما فهو متأخر وإن رأى نفسه متاخرا فهو متقدم فسكن روعي).
وكان للسلطان قايتباي فيه اعتقاد وولاية فينصح بنصحه ويقبل لاذع نقده بمنتهى الرضا ورحابة الصدر، وكان الشيخ زكريا يحس بهذا ويعلمه تمام العلم فهو الذي يقول: ما كان أحد يحملني كما يحملني السلطان قايتباي فقد كنت أحط عليه في الخطبة حتى أظن أنه ما عاد قط يكلمني، فأول ما أخرج من الصلاة يتلقاني ويقبل يدي ويقول جزاك الله خيرا.
وقد أوعزت هذه المعاملة الكريمة التي عامل بها السلطان الشيخ زكريا صدور كثير من حساده من الأمراء والشيوخ على السواء خاصة وقد عرف عن قايتباي الشدة والصرامة في معاملة أتباعه وحاشيته وعدم قبوله للنقد على الاطلاق، فكيف وهو يستمع الى شتائم الشيخ زكريا تكال عليه عيانا بيانا في خطبة الجمعة فلم يزل هؤلاء الحساد حتى أوقعوا بينهما وبرغم ذلك فلم يصدر من قايتباي لفظ أو فعل يسىء الى الشيخ وفي ذلك يقول: فلم تزل الحسدة بنا حتى أوقعوا بيننا الوقيعة وكان ماسكا لي الأدب ما كلمني كلمة تسوءني قط، ولقد طلعت له مرة فأغلظت له القول فأصفر لونه فتقدمت إليه وقلت له والله يا مولانا إنما أفعل ذلك معك شفقة عليك وسوف تشكرني عند ربك وإني والله لا أحب أن يكون جسمك هذا فحمة من فحم النار فصار ينتفض كالطير، وكنت أقول له أيها الملك تنبه لنفسك فقد كنت معدما فصرت وجودا وكنت رقيقا فصرت حرا وكنت مأمورا فصرت أميرا وكنت أميرا فصرت ملكا فلما صرت ملكا تجبرت ونسيت مبدأك و منتهاك).
الوصف المعماري:
يحدثنا الشيخ الشعراني أن الشيخ زكريا عرف مكان قبره قبل مماته دون أن يكون له فيه اختيار فيقول: (كنت يوما أطالع له في شرح البخاري فقال لي قف، اذكر لي ما رأيته في هذه الليلة و قد كنت رأيت أنني معه في مركب قلعها من حرير وحبالها وفرشها سندس أخضر وفيها أرائك ومتكآت من حرير والإمام الشافعي رضي الله عنه جالس فيها والشيخ زكريا عن يساره فقبلت يد الإمام الشافعي ولم تزل تلك المركب سائره بنا حتى أرست على جزيرة من كبد البحر الحلو، وأخذ يصف الشعراني كل ما في الجزيرة من بساتين وفاكهة وزهور ونساء كحور الجنة حتى إذا انتهى من سرد منامه قال له الشيخ زكريا: إن صح منامك فأنا أدفن بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه).
فلما مات الشيخ زكريا هيأ له أصدقاؤه وتلاميذه قبرا بقرافة باب النصر فجاء جماعة من أصدقاء الشيخ الشعراني ممن يعرفون منامه وقالوا له لقد كذب منامك ياشعراني وهنا يقول الشعراني: (فبينما نحن كذلك وإذا بقاصد الأمير خير بك نائب السلطنة بمصر يقول: إن ملك الأمراء ضعيف لا يستطيع الركوب الى هنا وأمر أن تركبوا الشيخ زكريا على تابوت وتحملوه للأمير ليصلي عليه في سبيل المؤمنين بالرميلة (ميدان القلعة) فحملوه وصلوا عليه فقال خير بك ادفنوه بالقرافة عند الشيخ نجم الدين الخيوشاني تجاه وجه الإمام الشافعي. وكان ذلك في ذي الحجة سنة ست وعشرين وتسعمائة).
قال عنه خير الدين الزركلي:
هو زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري الشافعي، أبو يحيى: شيخ الإسلام. قاض مفسر، من حفاظ الحديث. ولد في سنيكة (بشرقية مصر) وتعلم في القاهرة وكف بصره سنة ٩٠٦ هـ نشأ فقيرا معدما، قيل: كان يجوع في الجامع، فيخرج بالليل يلتقط قشور البطيخ. فيغسلها ويأكلها. ولما ظهر فضله تتابعت إليه الهدايا والعطايا، بحيث كان له قبل دخوله في منصب القضاء كل يوم نحو ثلاثة آلاف درهم، فجمع نفائس الكتب وأفاد القارئين عليه علما ومالا. وولاه السلطان قايتباي الجركسي (٨٢٦ – ٩٠١) قضاء القضاة، فلم يقبله إلا بعد مراجعة وإلحاح. ولما ولي رأى من السلطان عدولا عن الحق في بعض أعماله، فكتب إليه يزجره عن الظلم، فعزله السلطان، فعاد إلى اشتغاله بالعلم إلى أن توفي.
– العنوان بالوصف: بقبة الإمام الشافعي، بترب البساتين، القاهرة.