تعريف بالمقام ونشأته:
ضريح الإمام الشافعي أو (قبة الإمام الشافعي) مكانه في مسجد الإمام الشافعي وهو من أشهر المساجد في مدينة القاهرة، وهو عبارة عن غرفة تشغل مسطحا مربعا محاطا بأربعة حوائط سميكة، وبُنيت قبة على ذلك المربع، تصل إلى ارتفاع 27 متراً من سطح الأرض، وتتكون القبة من طبقتين: الأولى خشبية داخلية، والثانية خارجية مصنوعة من الرصاص، وللضريح ثلاثة محاريب تتجه نحو مكة، عند حائط اتجاه قبلة الصلاة، وهناك باب في كل من الحائطين الشرقي والشمالي، والحوائط الداخلية مغطاة بالرخام. وقد بنى السلطان صلاح الدين (تابوتا) وضعه فوق قبر الإمام الشافعي في عام 574 هـ الموافق 1178 م، و التابوت مصنوع من خشب الساج الهندي، ومزخرفٌ بحُلْية دقيقةٍ وآياتٍ من القرآن، وبعد ذلك بُني مسجدٌ يضم ضريح الإمام الشافعي، ويوجد فوق قمة القبة من الخارج عشارى من النحاس الأصفر، وترمز إلى عِلم الإمام الشافعي. ويعد هذا الضريحُ واحداً من أكبر الأضرحة المفردة في مصر.
اسم الشخصية من الصالحين: الإمام الشافعي رضي الله عنه
– الاسم: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشمبن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن قصي.
فهو مطلبي هاشمي قرشي عربي، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده عبد مناف.
قال القاضي أبو الطيب: قال بعض أهل العلم بالنسب: الشافعي ابن عم رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وابن عمته؛ لأن المطلب عم رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والشفا بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف أم السائب بن يزيد هي أخت عبد المطلب بن هاشم وأم الشافعي، رضي الله عنه، أزدية، وفي الحديث: الأزد جرثومة العرب1].
– تاريخ الميلاد: ولد رضي الله عنه بغزة سنة 150هجرية.
قال الحافظ أبو بكر الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، ثنا أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن شيظم الفامي قدم للحج، أنا نصر بن مكي ببلخ، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه، ولدت بغزة سنة خمسين، يعني: ومائة، وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين.
– تاريخ الوفاة: توفي رضي الله عنه بمصر، ليلة الجمعة الأخيرة من رجب سنة 204هـ/819م وله من العمر 54 عاما.
– بعض ما جاء عنه في التراجم والسير:
– قد روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي بسنده، عن ابن عبد الحكم، قال: لما حملت أم الشافعي، رضي الله عنه، به رأت كأن المشترى خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثُمَّ وقع فِي كل بلد منه شظية، فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخص علمه أهل مصر، ثُمَّ يتفرق فِي سائر البلدان.
– بداية طلبه للعلم رضي الله عنه:
-قال ابن أبي حاتم: حدثني أبو بشر أحمد بن حماد الدولابي في طريق مصر، حدثني أبو بكر بن إدريس وراق الحميدي، عن الشافعي، رضي الله عنه، قال: كنت يتيما في حجر أمي ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي من أمي أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد، وكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث، أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخيف فكنت أنظر إلى العظم فأكتب فيه الحديث، أو المسألة، وكانت لنا جرة عظيمة إذا امتلأ العظم طرحته في الجرة.
– قال أبو بكر الخطيب: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله الطبري، ثنا أحمد بن عبد الله بن الخضر المعدل، ثنا علي بن محمد بن سعيد، ثنا أحمد بن إبراهيم الطائي الأقطع، ثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: سمعت الشافعي، رضي الله عنه، يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين، ثم روى الخطيب عن الشافعي، رضي الله عنه، أنه قال: أقمت في بطون العرب عشرين سنة آخذ أشعارها ولغاتها، وحفظت القرآن، فما علمت أنه مر بي حرف إلا وقد علمت المعنى فيه والمراد، ما خلا حرفين أحدهما دساها والآخر نسيه الراوي عنه، قلت: فهذه همة عالية ممن يحفظ الكتاب والسنة وله من العمر عشر سنين، فرضي الله عنه.
ويقال: إن القبيلة التي ضوى إليها الشافعي، رضي الله عنه، هذيل وهم أفصح العرب، قال الحاكم النيسابوري: ثنا أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، ثنا إبراهيم بن محمود، حدثني أبو سليمان، يعني: داود الأصبهاني، حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: قرأ علي الشافعي، رضي الله عنه، أشعار هذيل حفظا، ثم قال: لا تخبر بهذا أهل الحديث فإنهم لا يحتملون هذا، قال مصعب: وكان الشافعي، رضي الله عنه، يسمر مع أبي من أول الليل حتى الصباح ولا ينامان، قال: وكان الشافعي، رضي الله عنه، في ابتداء أمره يطلب الشعر، وأيام الناس، والأدب، ثم أخذ في الفقه بعد، قال: وكان سبب أخذه أنه كان يسير يوما على دابة له وخلفه كاتب لأبي، فتمثل الشافعي، رضي الله عنه، بيت شعر فقرعه كاتب أبي بسوطه ثم قال له: مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا، أين أنت من الفقه؟ فهزه ذلك فقصد لمجالسة الزنجي بن خالد مفتي مكة، ثم قدم علينا فلزم مالك بن أنس، رحمه الله، وقال ابن أبي حاتم، ثنا الربيع ابن سليمان المرادي، قال: سمعت الحميدي، يقول: سمعت الزنجي بن خالد، يعني: مسلم ابن خالد الزنجي شيخ الشافعي، رضي الله عنه، يقول للشافعي، رضي الله عنهما: أفت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة.
وقال ابن أبي حاتم: وأخبرني أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إلي، قال: سمعت أبا الوليد، يعني: الجارودي، أو عمى، أو أبي، أو كلهم، عن مسلم بن خالد، أنه قال للشافعي، رضي الله عنه، وهو ابن ثماني عشرة سنة: أفت يا أبا عبد الله فقد آن لك أن تفتي، وهكذا روى الخطيب من وجه آخر عن الربيع: سمعت الحميدي يقول: قال مسلم بن خالد الزنجي للشافعي، رضي الله عنه: يا أبا عبد الله أفت الناس، آن لك والله أن تفتي، وهو ابن دون عشرين سنة، قال الخطيب: وهذا هو الصواب، والأول ليس بمستقيم لأن الحميدي يصغر عن إدراك الشافعي، رضي الله عنه، وله تلك السن خمس عشرة سنة
-قال ابن أبي حاتم: ثنا الربيع بن سليمان، سمعت الشافعي، يقول: قدمت على مالك وقد حفظت الموطأ ظاهرا، فقلت: إني أريد أن أسمع الموطأ منك، فقال: اطلب من يقرأ لك، وكررت عليه، فقلت: لا عليك أن تسمع قراءتي فإن سهل عليك قرأت لنفسي، قال: اطلب من يقرأ لك، وكررت عليه، فقال: اقرأ، فلما سمع قراءتي، قال: اقرأ، فقرأت عليه حتى فرغت منه، وحكى الإمام أحمد، عن الشافعي، رضي الله عنهما، أنه قال: أنا قرأت على مالك وكانت تعجبه قراءتي، قال الإمام أحمد: لأنه كان فصيحا، قلت: وكذلك كان حسن الصوت بتلاوة القرآن
– شيوخه:
تلقى الإمام الشافعي الفقه والحديث على شيوخ قد تباعدت أماكنهم، وتخالفت مناهجهم،. لقد أخذ الشافعي عن شيوخ بمكة وشيوخ بالمدينة وشيوخ باليمن وشيوخ بالعراق، ومشايخُه الذين روى عنهم كثيرون، أما المشهورون منهم والذين كانوا من أهل الفقه والفتوى فهم عشرون، خمسة مكية، وستة مدنية، وأربعة يمانية، وخمسة عراقية
– فمن مكة:
ومن المدينة:
ومن اليمن:
ومن العراق:
ومن هذا السياق يُستفاد أن الشافعي قد تلقى العلم على عدد من الشيوخ أصحابِ المذاهب والنزعات المختلفة، وبذلك يكون قد تلقى فقهَ أكثرِ المذاهب التي قامت في عصره، فتلقى فقه الإمام مالك عليه، وكان هو الأستاذ في شيوخه، وتلقى فقه الأوزاعي عن صاحبه عمرو بن أبي سلمة، وتلقى فقه الليث بن سعد فقيه مصر عن صاحبه يحيى بن حسان، ثم تلقى فقه أبي حنيفة وأصحابه على محمد بن الحسن الشيباني. وهكذا اجتمع له فقه مكة والمدينة والشام ومصر والعراق
– تلاميذه:
تلقى كثيرٌ من طلاب العلم والمتفقِّهين العلمَ على الإمام الشافعي، كما روى عنه أناسٌ كثيرون منهم:
إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان أبو ثور الكلبي البغدادي،أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذهلي وهو أحد الأئمة الأربعة،إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق، أبو إبراهيم المزني المصري، قال فيه الشافعي: «المزني ناصر مذهبي». الحارث بن أسد أبو عبد الله المحاسبي، أحد مشايخ الصوفية،الحارث بن سريج البغدادي أبو عمرو النقال، حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي أبو حفص المصري. الحسن بن محمد بن الصباح أبو علي البغدادي الزعفراني. الحسين بن علي بن يزيد أبو علي البغدادي الكرابيسي، الربيع بن سليمان بن داود الجيزي أبو محمد الأزدي،الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي، قال فيه الشافعي: «الربيع راويتي»، وقيل أنه آخر من روى عن الشافعي بمصر. عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله الأسدي القرشي، الإمام أبو بكر الحميدي المكي.يوسف بن يحيى القرشي أبو يعقوب البويطي المصري، قال فيه الشافعي: «ليس أحد أحق بمجلسي من أبي يعقوب، وليس أحد من أصحابي أعلم منه»، سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو أيوب الهاشمي القرشي البغدادي،عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم بن ميمون، أبو الحسن الكناني المكي.بحر بن نصر بن سابق الخولاني، أبو عبد الله المصري.
– رحلته إلى مصر:
قال ياقوت الحموي: «وكان سبب قدومه إلى مصر أن العباس بن عبد الله بن العباس بن موسى بن عبد الله بن عباس دعاه، وكان العباسُ هذا خليفةً لعبد الله المأمون على مصر». ولقد قال الشافعي عندما أراد السفر إلى مصر:
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر . ومن دونها أرض المفاوز والقفر
فو الله ما أدري أللفوز والغنى . أساق إليها أم أساق إلى قبري
قدم الشافعي مصر سنة 199 هـ، ومات فيها سنة 204 هـ، وقد رُوي عن الربيع بن سليمان أنه قال: وقال لي يوماً (يقصد الشافعي): «كيف تركت أهل مصر؟»، فقلت:
«تركتهم على ضربين: فرقةٌ منهم قد مالت إلى قول مالك، وأخذت به واعتمدت عليه وذبَّت عنه وناضلت عنه، وفرقةٌ قد مالت إلى قول أبي حنيفة، فأخذت به وناضلت عنه»، فقال: «أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله، وآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعاً». قال الربيع: «ففعل ذلك والله حين دخل مصر.
ولما قدم الشافعي مصر نزل على أخواله الأزد، قال ياسين بن عبد الواحد: لما قدم علينا الشافعي مصر، أتاه جَدِّي وأنا معه فسأله أن ينزلَ عليه، فأبى وقال: «إني أريد أن أنزل على أخوالي الأزد»، فنزل عليهم. وقد ذكر الإمام أحمد أن الشافعي قصد من نزوله على أخواله متابعةَ السنةِ فيما فعل النبي حين قدم المدينة من النزول على أخواله، فقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة على بني النجار، وهم أخوال عبد المطلب.وقال هارون بن سعد الأيلي: ما رأيت مثل الشافعي، قدم علينا مصر، فقالوا: «قدم رجلٌ من قريش»، فجئناه وهو يصلي، فما رأيت أحسنَ صلاةً منه، ولا أحسنَ وجهاً منه، فلما قضى صلاته تكلم، فما رأيت أحسنَ كلاماً منه، فافتتنَّا به.
كتبه ومصنفاته:
قال الإمام النووي في بستان العارفين:
قلت: ومن المشهورين بكثرة التصنيف إمامنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أبو الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنهما، وقد عدد الإمام أبو بكر البيهقي – رحمه الله تعالى – مصنفات الشافعي….
فمن ذلك: (كتاب الرسالة، كتاب اختلاف الحديث، كتاب جمَّاع العلم،كتاب إبطال الاستحسان، كتاب أحكام القرآن،كتاب بيان فرض الله عز وجل،كتاب صفة الأمر والنهي،كتاب اختلاف مالك والشافعي، كتاب اختلاف العراقيين،كتاب الرد على محمد بن الحسن، كتاب علي وعبد الله، كتاب فضائل قريش).
– في ذكر أوصافه الجميلة، وشمائله وأخلاقه الفضيلة:
كان في صغره ذا قريحة وهمة عظيمة، وأنه حفظ القرآن، والموطأ، وله عشر سنين، وأنه عني بالأدب والشعر، واللغة، برهة من عمره، ثم أقبل على الفقه، فبرز فيه على أقرانه، وفاق أهل زمانه.
وكان مع ذلك أعلم الناس بالسير والمغازي وأيام العرب، ووقائعها وأيام الإسلام، ومن أحسن الناس رميا بالنشاب، وأنه كان يصيب من العشرة عشرة.
وكان من أعلم الناس بالأنساب، وبعلم الفراسة، ومن أسخى الناس كفا، وأعطاهم للجزيل، وكيف لا، وهو من بيت النبوة، الذين هم سادات الناس، في الدنيا والآخرة، والناس عيال عليهم في الدنيا والدين.
من القوم الرسول الله منهم … لهم دانت رقاب بني معد
أعطاه الرشيد مالا جزيلا، ففرقه على ذوى الحاجات من قريش، رضي الله عنه.
وكان من أورع الناس، وتحريه في روايته يدل على ذلك، كما هو معروف في كلامه، ومن أكمل الناس مروءة، فإنه قال: لو علمت أن شرب الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته.
وكان من أفصح الناس، وأحلاهم عبارة.
– منزلته العلمية:
لقد شغل الشافعيُّ الناسَ بعلمه وعقله، شغلهم في بغداد وقد نازل أهل الرأي، وشغلهم في مكة وقد ابتدأ يَخرج عليهم بفقه جديد يتجه إلى الكليات بدل الجزئيات، والأصول بدل الفروع، وشغلهم في بغداد وقد أخذ يدرس خلافات الفقهاء وخلافات بعض الصحابة على أصوله التي اهتدى إليها.
فقد أوتي الشافعي علم اللغة العربية، وأوتي علم الكتاب، ففَقِهَ معانيه، وطبَّ أسراره ومراميه، وقد ألقى شيئاً من ذلك في دروسه، قال بعض تلاميذه: «كان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنه شاهد التنزيل»، وأوتي علم الحديث، فحفظ موطأ مالك، وضبط قواعد السُّنَّة، وفهم مراميها والاستشهاد بها، ومعرفة الناسخ والمنسوخ منها، وأوتي فقه الرأي والقياس، ووضع ضوابط القياس والموازين، لمعرفة صحيحه وسقيمه، وكان يدعو إلى طلب العلوم، فقد كان يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
وكان مجلسه للعلم جامعاً للنظر في عدد من العلوم، قال الربيع بن سليمان:
كان الشافعي رحمَه الله يجلس في حلقته إذا صلى الصبح، فيجيئه أهل القرآن، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل الحديث، فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا ارتفعت الشمس قاموا فاستوت الحلقة للمذاكرة والنظر، فإذا ارتفع الضحى تفرقوا وجاء أهل العربية والعروض والنحو والشعر، فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار.
ومما روي عن ذكائه أنه كان ذاتَ مرةٍ جالساً مع الحميدي ومحمد بن حسن يتفرسون الناس، فمر رجل فقال محمد بن الحسن: «يا أبا عبد الله انظر في هذا»، فنظر إليه وأطال، فقال ابن الحسن: «أعياك أمره؟»، قال: «أعياني أمره، لا أدري خياط أو نجار»، قال الحميدي: فقمت إليه فقلت له: «ما صناعة الرجل؟»، قال: «كنت نجاراً وأنا اليوم خياط«.
وقد وصف أبو زكريا السلماسي علمه فقال:
جمع أشتات الفضائل، ونظم أفراد المناقب، وبلغ في الدين والعلم أعلى المراتب، إن ذُكر التفسيرُ فهو إمامه، أو الفقهُ ففي يديه زمامه، أو الحديثُ فله نقضه وإبرامه، أو الأصولُ فله فيها الفصوص والفصول، أو الأدبُ وما يتعاطاه من العربية العرب فهو مبديه ومعيده، ومعطيه ومفيده، وجهه للصباحة، ويده للسماحة، ورأيه للرجاحة، ولسانه للفصاحة، إمام الأئمة، ومفتي الأمة، والمصباح الزاهر في الظلمة، في التفسير ابن عباس، وفي الحديث ابن عمر، وفي الفقه معاذ، وفي القضاء علي، وفي الفرائض زيد، وفي القراءات أُبَيّ، وفي الشعر حسان، وفي كلامه بين الحق والباطل فرقان
وكان الشافعيُّ يدعو إلى طلب العلم فيقول : من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في الفقه نبُل قدره، ومن نظر في اللغة رَقَّ طبعُه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه[1]
وعن الحميدي أنه قال: «كان الشافعي ربما ألقى علي وعلى ابنه أبي عثمان المسألة، فيقول: «أيكما أصاب فله دينار»، وعن الربيع بن سليمان أنه قال: سمعت الشافعي يقول: «طلب العلم أفضل من صلاة النافلة»
-التواضع والكرم
كان الشافعي متواضعاً مع كثرة علمه وتنوعه، ومما يدل على ذلك قوله: «ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، وما في قلبي من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ولا ينسب إلي»، وعن الربيع بن سليمان أنه قال: «سمعت الشافعي، ودخلت عليه وهو مريض، فذكر ما وضع من كتبه، فقال: لوددت أن الخلق تعلمه، ولم ينسب إلي منه شيء أبداً»، وعن حرملة بن يحيى أنه قال: سمعت الشافعي يقول: «وددت أن كل علم
أعلَمه تعلَمه الناس، أوجر عليه ولا يحمدوني»[1]. وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: «أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني، كوفياً كان أو بصرياً أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً»[2].
كما كان الشافعي معروفاً بالكرم والسخاء، ومن ذلك ما قاله الربيع بن سليمان: تزوجت، فسألني الشافعي: «كم أصدقتها؟»، فقلت: «ثلاثين ديناراً»، فقال: «كم أعطيتها؟»، قلت: «ستة دنانير»، فصعد داره، وأرسل إلي بصرَّة فيها أربعة وعشرون ديناراً[3].
وقال عمرو بن سواد السرحي: كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام، فقال لي الشافعي: «أفلستُ في عمري ثلاث إفلاسات، فكنت أبيع قليلي وكثيري، حتى حليّ ابنتي وزوجتي، ولم أرهن قط»[4].
– عبادته وورعه:
كان الشافعي ورعاً كثير العبادة، فقد كان يختم القرآن في كل ليلة ختمة، فإذا كان شهر رمضان ختم في كل ليلة منها ختمة، وفي كل يوم ختمة، وكان يختم في شهر رمضان ستين ختمة[5].
وقال الربيع بن سليمان: «كان الشافعي جزَّأ الليل ثلاثة أجزاء: الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام«[6]
وعن الربيع بن سليمان المرادي المصري أنه قال: «كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين مرة، كل ذلك في صلاة»[7].
وقال الحسين بن علي الكرابيسي: «بتُّ مع الشافعي ثمانين ليلة، كان يصلي نحو ثلث الليل، لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوّذ بالله منها، وسأل النجاة لنفسه ولجميع المسلمين، وكأنما جُمع له الرجاءُ والرهبةُ»[8].
ومما روي عن ورعه ما قاله الحارث بن سريج: «أراد الشافعي الخروج إلى مكة، فأسلم إلى قصّارٍ ثياباً بغداديةً مرتفعةً، فوقع الحريق، فاحترق دكان القصار والثياب،
فجاء القصارُ ومعه قومٌ يتحمل بهم على الشافعي في تأخيره ليدفع قيمة الثياب، فقال له الشافعي: قد اختلف أهل العلم في تضمين القصّار، ولم أتبين أن الضمان يجب، فلست أضمنك شيئا»[1]
– ثناء الأئمة عليه:
– أثنى على الشافعي الكثيرُ من العلماء والفقهاء، وكان مما روي في مدحه والثناء عليه: قول أبو عبيد القاسم بن سلام: «ما رأيت رجلاً أعقل من الشافعي»، وفي رواية: «ما رأيت رجلاً قط أعقل ولا أورع ولا أفصح من الشافعي». وقال يونس بن عبد الأعلى: «ما رأيت أحداً أعقل من الشافعي، لو جمعت أمة فجعلت في عقل الشافعي، لوسعهم عقله»[2].
– قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لأنني رأيت رجل عاقل فصيح ناصح، فإني لأكثر الدعاء له[3].
-قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو الفضل بن أبي نصر العدل، أخبرنا أبو الحسن، محمد بن أيوب بن يحيى بن حبيب، بمصر: سمعت أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزاز، يقول: سمعت عبد الملك الميموني، يقول: كنت عند أحمد بن حنبل، وجرى ذكر الشافعي، فرأيت أحمد يرفعه، وقال: يروى عن النبي، صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يقرر لها دينها» ، فكان عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه: على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي عل رأس المائة الأخرى[4].
– يقول داود بن علي الظاهري الامام في كتاب مناقب الشافعي: قال لي إسحق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد بن حنبل الى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحا حسن الادب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أوتي فيه فهما، فلو كنت عرفته للزمته.قال داود: ورأيته يتأسف على ما فاته منه.
وحتى يقول أحمد بن حنبل: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث.
ويقول أيضا: كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله، وفي سنة رسول الله[5].
– يقول أبو الوليد المكي الفقيه موسى بن أبي الجارود: كنا نتحدث نحن وأصحابنا من أهل مكة أن الشافعي أخذ كتب ابن جريح عن أربعة أنفس: عن مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، وهذان فقيهان، وعن عبد المجيد بن العزيز بن أبي رواد، وكان أعلمهم بابن جريج، وعن عبد الله بن الحرث المخزومي، وكان من الاثبات، وانتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، رحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن جملا ليس فيها شئ إلا وقد سمعه عليه، فاجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك، حتى أصل الأصول، وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره. وعلا ذكره، وارتفع قدره، حتى صار منه ما صار[1].
وقال أبو ثور: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي، رضي الله عنه، وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ المنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب الرسالة[2].
– وعن ابن مهدي أنه، قال: لما نظرت في كتاب الرسالة للشافعي أذهلتني، لأني رأيت كلام رجل عاقل فصيح ناصح، وإني لأكثر الدعاء له[3].
– وعن أيوب بن سويد الرملي أنه قال لما رأى الشافعي: «ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل هذا الرجل قط»[4].
وعن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: «إني لأدعو الله عز وجل للشافعي في كل صلاة، أو في كل يوم»[5].
وعن الحسين بن محمد الكرابيسي قال: ما رأيت مجلساً أنبل من مجلس الشافعي، كان يحضره أهل الحديث وأهل الفقه والشعر، وكل يتعلم منه ويستفيد.
وقال أيضا: ما رأيت مثل الشافعي، ولا رأى الشافعي مثل نفسه.
وعن أبي ثور قال: لو لم يقدم علينا الشافعي للقيت الله ضالاً.
وعن أبي عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد المعروف بغلام ثعلب قال: سمعت ثعلباً يقول: الشافعي إمام في اللغة.
وعن أبي عبد الله نفطويه قال: مثل الشافعي في العلماء مثل البدر في نجوم السماء.
وعن الربيع قال: كان الشافعي يناظر الناس على قدر أفهامهم، ولو ناظرهم على فهمه ما فهموا